مقالات

مغامرة عبور القطب الجنوبي وحيدا ونهاية حزينة

15 نوفمبر الإنطلاقة نحو الحلم

بدأ المستكشف والمغامر البريطاني هنري ورسلي رحلته الإستكشافية في الخامس عشر من نوفمبر، انطلاقا من جزيرة بيركنر التي تقع في الجزء الشمالي الغربي من القارة القطبية الجنوبية في محاولة للوصول إلى الجانب الآخر من القطب الجنوبي. 

خطط هنري لاستكمال رحلته في 75 يومًا والتي ستشمل عبور القارة القطبية الجنوبية بمفرده، أي قطع مسافة 900 ميل ما يعادل 1447 كيلومتر من نقطة الإنطلاق. 

في اليوم الأول سار ورسلي لمدة 13 ساعة وهو يسحب زلاجة محملة بحوالي 300 رطل من لوازم الرحلة على طول الطريق. ليصل إلى القطب الجنوبي في اليوم 51 من رحلته. 

أول الأشخاص الذين رأوه منذ فترة طويلة هم أولئك الذين يعيشون في محطة القطب الجنوبي أموندسن سكوت، وهي منشأة أبحاث تدرس الجيوفيزياء في المناطق القطبية للأرض. ونظرًا لأنه كان يعتزم إكمال رحلته بمفرده رفض ورسلي جميع وسائل المساعدة التي عرضوها عليه من الإمدادات والطعام. 

واصل صعوده إلى ارتفاع 9700 قدم على Titan Dome بعد بضعة أيام، احتفظ ورسلي طوال رحلته بمذكرات صوتية وأخذ صور شخصية وثقت تعبه المتزايد وتدهور حالته الصحية.

مرحلة استنزاف السعرات الحرارية

أحضر ورسلي كمية طعام تغطي احتياجاته لمدة 80 يومًا فقط، وتوقع أن يفقد حوالي 28 رطلاً، أي ما يعادل 12 كيلوغراما خلال رحلته، لأن المشي أثناء سحب زلاجة تزن 330 رطلاً تقريبًا يستهلك الكثير من الطاقة.

كان ورسلي يحرق ما يعادل 10000 سعرة حرارية في اليوم الواحد، وحمل ما يكفي من الطعام لتعويض ذلك النقص لكن معظم طعامه تجمد بسبب ظروف أنتاركتيكا القاسية، فقد كسر أحد أسنانه وهو يحاول تناول وجبة خفيفة مجمدة.

 تضمنت مذكرات ورسلي الصوتية العديد من الإشارات إلى الطعام، وتحدث على وجه التحديد عن الوجبات اللذيذة التي فوتها في الديار، ذكر في آخر مذكراته الصوتية أن أول شيء سيقوم به فور عودته للمنزل هو تناول بعض الشاي مع قطعة من الكعك. 

عندما تم العثور على ورسلي، كان قد فقد حوالي 50 رطلاً وكان يعاني من الجفاف الحاد والإرهاق.

تعثرت رحلة ورسلي بسبب الثلوج الكثيفة ودرجات الحرارة الباردة والرياح العاتية، فبعد أن بدأ مغامرته بشكل طبيعي وفي درجة حرارة مقبولة، لم يكن الثلج كثيفا مما سهل نسبيًا تقدمه، لكن سرعان ما بدأت درجة الحرارة في الانخفاض كلما توغل في القطب الجنوبي.

سجل في اليوم 55 من الرحلة درجات حرارة شديدة البرودة وصلت إلى ناقص 47 درجة فهرنهايت، وواجه صعوبة في السفر بسبب كثافة الثلوج وسرعة الرياح التي وصلت إلى 50 ميلا في الساعة. وترك ملاحظة صوتية في اليوم 66 يقول فيها:

إن الظروف المناخية أصبحت أشد قسوة، أنا أضعف الآن بالطبع وهذا هو آخر شيء أحتاجه، إني أستنزف تلك الطاقة القليلة التي خزنتها.

انسحاب على  بعد 30 ميلًا فقط من الهدف بسبب مضاعفات صحية.

قطع هنري ورسلي أكثر من 900 ميل عبر القارة القطبية الجنوبية بالكامل، وبعد أكثر من 65 يومًا من السفر في أكثر أراضي العالم ضراوة، أجبر على التوقف عن بعد 30 ميلًا من هدفه. تباطأت وتيرته في الأيام الأخيرة من رحلته بسبب الإرهاق وانتشار العدوى التي لم يكن يعلم أنها تنهشه من الداخل.

اشتدت  العاصفة وقتلت مستعمرة من طيور البطريق وحوصر ورسلي في خيمته لمدة يومين، كان فريق الإنقاذ يراقب كل تحركاته لكنهم رفضوا التدخل حتى أعطاهم ورسلي الإشارة أخير

بعد أن اتصل هنري ورسلي بفريق الدعم لإنقاذه، نُقل بالطائرة إلى معسكر على بعد ست ساعات ثم إلى بونتا أريناس في شيلي، اعتقد الأطباء أن حالة ورسلي تدهورت بسبب الجفاف والإرهاق  لكنهم اكتشفوا أنه يعاني من التهاب الصفاق الجرثومي. 

على الرغم من التدخل الجراحي المستعجل الذي قام به الأطباء، إلا أن جسد ورسلي لم يستجب للعلاج لأنه أصبح ضعيفا للغاية ولم يتمكن من محاربة العدوى. ليسجل الأطباء وفاته في 25 يناير 2016 عن عمر يناهز 55 عاما بسبب فشل في الأعضاء. 

كان الهدف من رحلة ورسلي هو جمع التبرعات لصندوق Endeavour ، وهي مؤسسة خيرية للمحاربين القدامى المصابين. 

كان هنري ورسلي من قدامى المحاربين في الجيش البريطاني وكان يحظى باحترام كبير من زملائه الجنود. كان أيضًا صديقًا للأمير وليام دوق كامبريدج الذي ساعد في تمويل رحلة ورسلي الثانية إلى أنتاركتيكا.

كان هدف ورسلي من رحلته الأخيرة للقارة الجليدية هو جمع الأموال لصندوق إنديفور الذي يديره دوق ودوقة كامبريدج بالإضافة للأمير هاري. اختار ورسلي دعم المؤسسة بسبب علاقته الودية مع ويليام وأيضًا لأن المؤسسة تدعم مغامرات المحاربين القدامى المصابين. 

على الرغم من أنه توفي قبل إتمام رحلته، استطاع ورسلي جمع أكثر من 150000 دولار والتي  تضاعفت بعد انتشار أنباء وفاته.

لم تكن هذه هي الرحلة الأولى لورسلي نحو أنتاركتيكا لكنها كانت الأخيرة

قام هنري ورسلي بأول رحلة له للقارة القطبية الجنوبية في عام 2008، حيث قاد فريقًا كان هدفه تكرار محاولة إرنست شاكلتون الثانية للوصول إلى القطب الجنوبي خلال بعثته عام 1907. لكن أجبرهم سوء الأحوال الجوية على الإستسلام والعودة

اتبع فريق ورسلي مسار رحلة شاكلتون عبر جبال Transantarctic و نهر Beardmore Glacier، واستطاعوا إكمال ما بدأه شاكلتون. في عام 2011 عاد ورسلي إلى القارة القطبية الجنوبية مع فريق من ستة أعضاء لمتابعة الطريق من خليج الحيتان عبر Ross Ice Shelf، كانوا يتتبعون المسار الذي سلكه رولد أموندسن أول شخص يصل للقطب الجنوبي قبل 100 عام. 

بعد وفاته، أصبح ورسلي بطلًا قوميًا في إنجلترا

كان هنري ورسلي يتمتع بسمعة طيبة داخل مجتمعه، لذلك كان من الصعب جدا تقبل خبر وفاته. عبرت حفيدة إرنست شاكلتون عن حزنها العميق إثر وفاة ورسلي الذي يعد خسارة كبيرة في مجتمع المغامرين

ووصفه دوق كامبريدج والأمير هاري اللذان ساعدا في جمع التبرعات لرحلته بأنه كان شجاعا وملهما، كما أشاد بول روز قائد القاعدة السابق في المسح البريطاني لأنتاركتيكا بأخلاقه العالية وسعيه لجمع التبرعات عن طريق رحلة محفوفة بالمخاطر. حتى ديفيد بيكهام  الذي قابله ذات مرة في إحدى حفلات جمع التبرعات لم يتردد في التعبير عن حزنه وأسفه تجاه خسارة المغامر هنري ورسلي. 

About the author

admin

Leave a Comment